ينساكِ الموت يا ستي !

22 أبريل 2011

,,,

على الرغم من العلاقات المتوترة جداً مع جدتي في طفولتي  و المتمثّلة في كونها هي دائماً السبب الرئيسي ورا ء – العلقات السخنة – من السلطات العليا ! 😀

” ففي العمارة كانت توجد صالة واسعة ملاصقة لشقة جدتي الصغيرة , كُنا عادةً  نستغلها للعب بها – البيضة , يهود و عرب , ناس و ناس , كهربا فك الكبش … – , و سواء كانت أصواتنا عالية او معدومة كانت جدتي دائماً يُزعجها وجودنا بها  , و تشتكينا باستمرار بأننا السبب في ايقاظها  من تعسيلاتها  و في كسر اشجار الحديقة المجاورة للصالة ” بكسرو السجَر على قولتها ”  ..

كانت عقدتها تشوفنا بنلعب !

شكوها المستمر لأهالينا , جعلهم يملّوا و وصلوا لمرحلة عدم إكتراثهم بحديثها ,لأننا اكتشفنا بالنهاية  أن الهدف الأول من بناء هذه الصالة أن نلعب بها نحن بدلاً من اللعب بالشارع !

إلا أنني حاولت أن أتذكّر لها أي فعل كُنا نحبه فيها في طفولتنا , و تذكّرتُ ” الزلابية ” !

بتعرفو شو هي الزلابية ؟ لما تقطع الكهربا و انت بتخبز , دايماً بضل 3 أو 4 ارغفة لسة ما انخبزت , بيتقطعو متلتات زغيرة , بينقلو بالزبت , و بينرش عليهم سكر بودرة , و بتاكل !

ملاحظة * : لازم تقطع الكهربا عليهم و يضلو بالآخر , حتى لو ما انقطعت لحالها بتروح تقطعها عند آخر كم رغيف , عشان زلابية من غير قطعة كهربا مش زلابيا 😛

و اكتشفت أن جدتي كانت تعُد لنا الزلابيا  لأنها لم تكن تعلم كيف تتصرف با لعجين غير المخبوز الباقي , فبدَل أن تكبه بالزبالة كانت تكبه في بطونا 😀 , حتى السكر كانت لا تطحنه و تضعه كما هو !

ممم فليكُن ! , المُهم اننا كُنا نستمتع بالزلابيا  من جدتي بدرجة كبيرة , و كانت الزلابيا تمثل مرحلة هُدنة بيننا و بينها ! 😀

من المعروف أن الطريق إلى قلب جدتي هو : تكنيس شقّتها و الدرج التابع لها !!

فبقيامك بذلك يكون حصيلك : تسمح لك باللعب في الصالة مدة لا تتجاوز النصف ساعة , قرشين كويسين , و دعوة منيحة ,

صحيح أن جدتي ليست على مستوي عالي بخصوص الدعاوي , أو قد تكون ! , لكن أنا لستُ من المعجبين بأداءها الدعائي و استيعابي لما تقول يكون متأخراً ! , طلبت مني مرّة أنا أعد لها شاياً , ألهاني أمر ما و حين تذكّرت أعددته , و ذهبتُ به  لها و أخبرتها : معلش يا ستو نسيت , فأجابتي : ينساكِ الموت يا ستي , في البداية ظننتُ أنها تدعو عليّ لا لي خاصة مع إقتران الدعوة بـ الموت !  .. ” كان إلي خاطر أحكيلها  ستي بلاش تدعيلي تاني الله يرضى عليكِ ” 😀

الجميل في جدّتي أنّ لها كاركتر مُختلف , و لديها ثِقة بنفسها غير عادية .. في العيد طلبت من أخي أن يصوّرها  , صوّرها  ” و لما شافت الصورة صارت تحكي اللهم صلي عالنبي اللهم صلي عالنبي ” 😀

أنا لم أسمع عن عجوز تتغزّل بفسها بهذه الصورة  من قبْل !

أيضاً جدّتي تُحِب أن تُدلّل بشكل كبير و غير عادي , لدرجة تشبه بها الأطفال , قبل شهرين أو أكثر من الآن وقعَت و كُسِرت يدها ,

الصراحة أن حالتها في البداية كانت صعبة جداً , و بعدها بأسابيع تحسّنت نوعاً ما  , لكّنها كانت كلما جاء أحد لزيارتها  تضرب بوزاً 😀  و تأخذ تتأوه  من يدها  و كأنها لم تكن قبل قليل بألف خير و لم تشتكي منها نهائياً ! , و المُصيبة أنها مُقنعة , و يُهيأ  لي أن الزائر سيبكي عليها بعد قليل , ” بكون إلي خاطر احكيلها قدام الناس . شو يا حجة قبل شوي كنتي تضحكي ؟ “

لحد اللحظة موضوع يدها  مستمر ! 😐

مع أنها مثلاً تُتابع مبارايات كرة القدم , و تمارس كل الفعاليات  معنا , أكل الفشار , التصفيق , الصراخ , التشجيع و حتى القفز ! , صحيح أنها مش فاهمة حاجة و لا عارفة مين بتشجع و لا مين بلعب أصلاً ,, مم بس انها بتااااابع ! 😛

أكثر ما أحبه بجدتي حودايثها عن ذكرياتها , خاصة عن جدي – الله يرحمه – و احداث الانتفاضة الأولى و مشاركاتها المختلفة بها , ” ستي فدائية قديمة 😛 “

أحياناً كنا ننظم ما بيننا و نختار لكل ليلة واحداً منا ينام عندها , و نشغل الوقت معها بسماعنا لقصصها طيلة الليلة حتى ننام ,

حتى الآن الوضع عااااال , المشكلة عندما تطلب منها أن توقظك مبكراً معها ,

بدون أي فواصل بستمر بترديد ” قوم يا ستي , وحّد الله يا ستي , استعيذ بالله من الشيطان يا ستي , اسم الله عليك يا ستي ” ممكن تضربك و تحكيلك اسم الله عليك بس المهم تصحى 😀

كُل ذلك بالنهاية يدفعنا للابتسامة , فهي تعبّر عن الأمور بطريقتها الخاصة مؤمنة بأن كل ما تفعله هو الصواب !

المسكينة عانت كثيراً , بترملها المبكر و مسئوليتها بتربية 8 اطفال , و ظروف كلها اجتمعت ضدها في وقتِ كانت فيها وحيدةْ و ضعيفة !

الله يحفظها يا رب , أو على طريقتها : ” ينساكِ الموت يا ستي ” !

تنويه/ للي بيعرفو ستي يعني يا ريت تكونو محضر خير 😀

Advertisements

ماما , بحبك اليوم و كُل يوم !

21 مارس 2011

مشكلتي التاريخية و التي اقسم أنّ لا دخل لي بها – فطرية بحت – ! , أنّي لا أملك نقطة تنسيق يمر بها حديثي قبل أن يخرج !
مما ترتّب عليه, خلق مُشكلة “ أعوَص ” تتمثّل في عدم قُدرتي على تركيب جُملة مُجاملة مِئة بالمئة !,
فعلى صعيد حياتي الخاصة , لا أذكر أنّي أخبرت أحدهم في أي مناسبة تخصّه تحية مُبارَكة أو مُعايَدة خالصة , إلا و احتوت على كلمة – على الأقل – خارج السياق
كـ :
في العيد لصديقتي : كُل عام و إنتِ بخير ” ولي ” .
في عيد ميلاد أخي الـ16 : عُقبال الـ18 سنة و نص يا “ دب ”  .
لصديقة في الخارج : ” يلعن أبو شكلك ” شو مشتقالك !
.
.
الجميل في الأمر , أنهم تعوّدوا عليّ هكذا , و يشعروا تِلقاءياً لو لم تحتوي جُمَلي معهم على كلمات ” غليظة” كتِلك أنّ هُناك خطباً ما ! 😀
المُشكلة اليوم , عيد الأُم , .. !
” إلي اسبوع بتحضّر أكون ضد هالمشكلة الفطرية ” ! 😐
و مش عارفة إزا زبطت معي أو لأ ؟
خلينا أخبركم شو صار و انتو احكموا ؟
على الهامش : ماما أصلاً كان عيد ميلادها في 1 مارس , و اشتريتلها حاجات انبسطت عليهم يومها 🙂
نمت و عقلي مشغول في ما يمكن أن احضره لماما في اليوم التالي , و ذهبت للجامعة و لا يزال مشغول , و لم أقرر إلا في نهاية اليوم !
.
.
سأشتري بوكيه ورد !
و ذهبت لإحدى المحلات في الرمال ,انتقيت الورود , و غادرت المحل !
و حملت البوكيه من غزة لـ رفح !
أحببتُ أن أحمله لفترة أطول , لغاية داخلي لا أعلمها ,
ربما  ستكفّر قليلاً من حملها لي 9 اشهر ؟
أوْ لأني أريد أن يعلم كل من يراني , أنّ لي أُماً أُحبها ؟ !
دخلتُ البيت و مررتُ إلى المطبخ لأجد ماما هُناك ,
اقتربت نحوها ” و أنا مكشرة = بدلاً من كلمة يا دب , بضل لينا يعني ” ! , قبّلتها  و قُلت : كل عام و إنتِ بألف خير حبيبتي
و اعطيتها الوردات ,
انبسطت كتير فيهم , و زي اللي خجلت لما شافتهم 😀
ماما بحبّك كتيـــــــر,
لا قد سما و لا كون , قد اشي أكبر أنا ما بعرف حدوده ,
الله يخليلي إياكِ يا رب ,
و تعيشي و تغلبيني بجلي الجلي

 

على مين الجلي اليوم ؟

بحبّك 🙂

بربّكم , لأجل فلسطين ثوروا !

13 مارس 2011

بربّكم , لأجل فلسطين ثوروا !

اجعل من 15 آذار فرصة  لمِ تُمنَح لكَ من قبل , تُخبر الوطن فيها كم تحبّه !

لا تسمع لما يُشاع عن انتماء خروجك يومها لأي جهة ,

أنت تخرج فقط لأنك فلسطيني , لأنك حُر , لأنك ترفض الانقسام , لانك تنتمي لوطَن له قضية أرقى من أن تكون نهايتها هكذا !

انسى كُل شيء , انسى ان هُناك من سيخرج  يوم 15 آذار غيرك , اخرج و كأنّك الوحيد – شخص يحب وطنه  يخرج اليوم من أجله , و من أجله فقط , لا ينتمي لأي شيء سوى فلسطين

و هُناك اشعر بالآخرين مِثلك ,

وقتها فقط  , ستتنفّس رائحة عدوّك ,

و ستعرف من هو جيداً !

كُن فلسطيني , و ثُر !

لأجل فلسطين , اخرجوا
لأجل فلسطين ,
بربكم , لأجل فلسطين !

بنتزكّر نبكي متأخر .. لان وقت مصايبنا ما بكون معنا وقت !

9 مارس 2011

,,,

شاءَ القَدر أن أحمل جنسيّة أكثر البلاد سخونة للأحداث في العالم ” فلسطين ” , و شاءَ أكثر أن أكون لاجئة في موقع النكبات الأخيرة على تلك البلد , ” غزّة ” ,

و لأنّي في غزّة ,

أكتب اليوم بعد انقطاع للكهرباء عن حيّنا,  دام أكثر من 24 ساعة !

كان بالإضافة لدورنا في قطعها , خلل في بعض الأسلاك , مما دعا  الشركة لمواصلة قطعها إلى أن يتم إصلاح الأسلاك , ” و أخــــد معهم الوقـــت لحد ما نسيو الدور لمين “

أنهينا كُل شيء يُمكن إنجازه بدون كهرباء , و جلسْنا ! – كُله بيتفشش بكله –

بالمُناسبة , الشيء الوحيد الجميل في انقطاع الكهرباء , أنّنا نستطيع إيجاد الوقت الذي نجتمع فيه جميعاً , بدلاً من أن نتفرّق ما بين التلفزيون و الكومبيوتر و المطبخ و … – من وجهة نظر الأهل طبعاً

ماما كلما قُطعت الكهرباء تُخبرنا ” لولولولوليييي أخيراً شُفنا وجوهكو ” و أرى نظرة الشماتة في عينها ! 😀

المهم , قد نقضي الوقت أحياناً في مساعدتها في ” الحاجات اللي بتزهّق ” مثل – تسفيط الغسيل , تلقيط الملوخية , حفر الكوسا , لف الملفوف , …” و يأخذنا الحديث خلال ذلك عن مواضيع متشعبة لا أعرف حقيقة صلتها ببعضها .

كأن تتحدث ماما خلال لف الملفوف عن جدّتي التي تحب ” العروسة ” أكثر شيء في الملفوف

” عارفين شو هي العروسة ؟ ” هيّ الإشي اللي مش ملفوف بالملفوف و دايماً بتضل بآخر الطنجرة لحد ما يخلص الإشي الملفوف ” 😀

و من عروسة الملفوف نتذكر عروسة الجيران , التي كان عُرسها في صالة قريبة من بيتنا , صاحبها من عائلة تسكن في مخيّم الشابورة , بالقُرب من بقالة أبو الصابر الشهيرة ,

و من هنا نبدأ الاستماع للقصص التي لا نملّها المتعلقة بـ ” طفولة أهالينا ” و ما عاشروه خلال الانتفاضة الأولى , التي غالباً ما كانت تتعلّق بشارع أبو الصابر , – المكان الأشهر لكل ثائر  –

و نستدرج ماما لتبدأ الحديث عن بابا , الحديث الأروع و الامتع على الإطلاق !  ” ما بنحس بساعة و لا بعشرة يمرو بدون كهربا , بتعرفو شو يعني ماما بتحكي عن بابا !! خلص و لا نفَس ! سكوووووت .. و بنسمع !! “

و أنا سمعت ..,

اسمعو شو رأيكو أكمل بالعامية ?

ماما بتحكي و آخدها الحكي …  أشياء بضّحك و أشياء بتبكّي بنفس الوقت , لحد ما وصلنا لأسر بابا !

و قعدت تتزكّر قديش كان الوضع صعب عليها من غيره , فأنا أجى علبالي سؤال بريء !

” و أنا  قديش كان عُمري وقتها  ؟ “

و هُنا كانت الفاجعة !

اكتشفت أمور ما كنت عارفاها !

و لا كُنت أتوقّع إني أكون بهيك موقف !

” أنا إنولدت و بابا أسير في السجن “

” أول مرة بابا يشوفني كان عُمري سنتين “

” لما شفت بابا ما عرفته “

زعلت كتير !

لأنه وقتها ما كُنت فاهمة الوضع حتى , لدرجة إني ما قدرت أعيّط !

و جاية بعد 18 سنة هلا أعيّط ؟

مع إنه كُنت قادرة أمارس العياط وقتها بقدرة أكبر من حالياً بتمتد لدرجة ” الصراخ

زعلانة لأنه كان ممكن أكون بوضعية إنه أول حدا يحملني بس أشرّف ع الدنيا : بابا

أنا بحكي هيك و بعيّط

و كلهم بيضحكو عليّ

بالله ما إشي بدايق ؟

في بيتنا , ثوْرة !

23 فبراير 2011

ابني , حبيبي , يا نُور عيني !
بيضربو فيك المثَل !
كُل الحبايب بتهنّيني ,

طبعـــاً ما أنا أُم البطَل !


لا أحد ينكر الدور الذي لعبته الثورة المصرية – على وجه التحديد – في شحن الوطن العربي ككل ضد رموز الظلم و الفساد , و في بيتنا كان لهذا الشحن طعم آخر لعبَت فيه أغاني الثورة الدور الأكْبر ; فمن فترة إلى أُخرى تنتشر داخل البيت أغنية ثورية معيّنة لا نتوقّف عن ترديدها إلى أن نملّها !

آخرها أغنية ” بحبك يا بلادي ” لفايزة أحمد , التي لم تتوقف والدتي عند ترديدها لحد جعل والدي يحتج و يقول :

” و الله قولتي “بحبك”  لمصر خلال يومين أكتر ما قلتيلي خلال 22 سنة جواز ” 😀

اليوم افقت على صوت أختي الصغيرة – 5 سنوات – تغنّي ” طبعاً منا أُم البطَل! ” 😀

مِصْر .. كُوني بِخَيْر !

4 فبراير 2011

فليشهد العالم كمْ أُحبها


أو ليصمُت العالم لحظة ! و يمنح قلبي فرصة للحديث عنها ! , عن شعبها , طُرقها , مُدنها .. عن رائحة شواطئها , قِلاعها , أسواقها  , عن روح لا يكون العالمُ عالماً بدونها , عن حُبٍ يسع الكون و أكثر .. عن شعبٍ تركيبته  الخاصة هي” الطيبة ” ..عن كُل شيءٍ لم أره بعيْني , يخصُّها .. لكن عِشته بناسها !

أو ليصمت قلبي !..  فقط يصمت !  و يدع لحظة صمت تُجْمِل كُل شيء !  فحقاً لا أُتقن الحديث عن ما أُحب !

مصر !

هي إجابتي المستفزة لكثيرين على سؤال : ” لو تمكّنتِ من السفر لأي بلد خارج بلدك , فأيّ البلاد تختارين ؟ ” .. في وقتٍ تكون فيه فرصة السفر لأي فلسطيني من غير المرضى و الطلاب شِبه معدومة !

قد أبدو للبعض مُبالغة ! .. لكنّي عِشتُ أعشقُ أمرين الوطن و البساطة ! و كِلاهما وجدته على صِلة بمصر ! ..

مصر – بعيداً عن حكومتها أو أي جهة رسمية داخلها – من أكثر الدول التي آمنت بقضية  وطني – على الأقل حسب وجهة نظري المتواضعة – , يكفي أن أقول ” أنا فلسطينية ” أمام أي مصري لأشعر كمْ أنا عظيمةْ .. يعيدون شحن الثورة داخِلي بشكلٍ رهيب .. و أحياناً أصغر أمامهم ! رُبما لأنّ فلسطين ما عادت فلسطين , فلسطين بدون انتفاضة ليست فلسطين ! لغة الحجر همدت , و أصبحنا في الآونة الأخيرة نبحثُ على أنّ نؤمّن العيش و لوازم الحياة أكثر من البحث عن القضية أو عن الوطن أصلاً ! و أصغر أكثر حين أكون فلسطينية عُمرها 19 عاماً و لم تزر القدس حتى الآن ! و حين يسألونني عن أخبارها و أُجيبهم ثم خلال إجابتي أُيقن أنّني أقرأ لهُم أخبار الصحف ليس إلّا .., أخجلُ أكثر !

مصر يا أُم العجايب

شعبك أصيلْ , و الخصم عايبْ !

خلّي بالك من الحبايب , دول أنصار القضيّة

 

ثمّ إنّ نيلاً يتوسّطه قمر, و صحبة أحدهم , مع بِضع مكسّرات, و صوت ضجيج السيارت , و مارة يشغلك مراقبتهم , و لهجة مصريّة أينما رميت نظرك , تكفي لتعيش ليلة تستطيع أن توصفها بالسعيدة أقل شيء !

الجميلُ بمصر , أن تكون غزّي , و الأجمل كمْ يشبهوننا في كون أقل شيء يكفينا لنكون سُعداء !

انظروا خِلال أسبوع تدهور فيه الحال بمصر , ماذا حلّ بِالعالم كُلّه !

حزينة جدّاً لذلك , خاصة بعدما تذكرت تدوينتي عن الإسكندرية  و قُلت :

أتساءل لو تحوّل بنا الحال , و حلمتُ أنا بالقدوم إلى الإسكندرية ؟ تُرى سيكون هذا التحوّل نذير ماذا ؟ أحُب و فرح مِنهُم لنا ؟ أمْ انفجار آخر أقوى لهُم ؟ .. هل تصوّري صحيح ؟

كُنت أتحسس شيئاً ما إذاً ,

من أوّل ثانية اندلعت فيها الثورة كُنت خائفة جداً ! و خوفي كان غير مبرر !  في الوقت الذي كان  فيه الجميعُ سعيد بثورة لم يكن متوقع أن تشهد مصر مِثلها أبداً !

و الواضح أنّ خوفي الآن أصبح مُبرراً بعدما حُوِّلت الثورة لبعض الوقت لاشتباكاتٍ داخلية ! راح ضحيّتها كثُر , أشخاص , متحف , أمن .. , إضافة إلى استغلال واضح من جهات عدّة للوضع المصري لصالح معلوم أو غير معلوم !

بالمُناسبة , حتّى تعبيرهم عن الثورة كان له نكهته الخاصة من خِلال شعاراتهم التي يرفعونها , أو حتى من خلال قادتهم و تعليقاتهم على الوضع الراهن !

من بين الأشياء التي أضحكتني على الرغم من تخوّفي الشديد لتفاقم الوضع هي :

بعض اللافتات التي حملها المتظاهرون :

و آخر شاهدته على احدى القنوات تعلو لافتته : ” يا مبارك اتنحّى , عايز استحمّى ” !

هذا بالإضافة لتعليقات أحد قادة الجيش , الذي دخل وسط المتظاهرين و بدأ يطمئنهم على أن الجيش وظيفته الأساسية في هذه المرحلة هي أمنهم ! و في نهاية الحديث قال فيما معناه : ” بس أنا عايز انبهكو لحاجة في واحد على كرسي متحرك رايح جاي بيسرق موبايلات , خدو بالكو منه “.

أحببتُ أكثر رئيس وزراء الحكومة المشكّلة الجديدة ” أحمد شفيق ” في لقاءه مع قناه الحياة ,  – كُنت عايزة أبوسه الراجل العجوز ده – كانت لهجته مُطمئنة , يُشعرك بالتغيير في كلماته .. و كان يبدو أنه اتفق مع المذيع على مدة معيّنة تجاوزها اللقاء , بعدما أخبر المُذيع  ” إنت وعدتني … ” فردّ عليه المُذيع : ” أنا ما بين الوعد و الفرصة ” فأخبره : ” و أنا ما بين الوعد و التزاماتي الأخرى ” !

أمّا حسن جارنا , فيسرع بتخزين أكياس الطحين و عدد من زجاجات البنزين , فكما تعلمون ” الواحد مش عارف ايش مخبّيلو بكرة , و القطاع مرتبط في مصر , خربت مصر يعني خربت غزة ” !!!!!

مش بحكيلكو بنخاف على بطونا أكتر ؟

أنا مش سوسة !

17 يناير 2011

قبلْ مدّة اكتشفتُ بمحض الصدفة معلومة خطيرة تخصّني ! :  ” أنا سوسة “ ! 😐


كُنتُ و العائلة على مائدة الغداء , و فجْأة أتت أختي الصغيرة – 5 سنوات –  و فتنت على أخي أنّه قام برمي الشيبسي على الدرج عمداً , فقام أبي و بدأ بتعنيف أخي , غاظني ما حدث ! فبدأت أصرخ بوجهها في الوقت الذي كان فيه الكُل مشغول , أبي يصلّي , و أمي و أختي ترفعان الغذاء , و الباقون يتابعون برنامجاً تلفزيونياً , و خلال صراخي أخبرتها ” ولك إنتي لمين طالعة سوسة هيك ؟ ” .. حتّى انفجروا جميعهم ضحكاً لدرجة أن قطع أبي صلاته !

نعم ؟

😦

ما يعني أنّني مثَلَهَا في ” السوسنة ” , إن صحّ التعبير !

خلال الأيام التالية لهذا شغلني التفكير في هذا الموضوع كثيراً , و بدأتُ أقيّم ذاتي بعد كُل موقف أفعله , ووجدتُ أنّي أفعل الكثير من المواقف قريبة الوصف لمصطلح ” سوسة ” و بشكل غير إرادي , كما حدث اليوم : طلب أخي من أختي أن تناوله الماء من المطبخ في طريقها إليه , فأخبرتها عفوياً : ” لا يا روز .. خليه يجيب لحاله ” .. في الوقت الذي كُنتُ فيه أصلاً مشغولة بدراستي لامتحان يوم غد ! .. دار الموقف سريعاً برأسي و أخبرتها : ” لا لا .. بمزح جيبيله .. أخوكي حبيبك ! .. ولكو أنا ليش هيك ؟ ”  ..

لكن من ملاحظاتي الأخرى بخصوص ذلك هي أنّي لا أقوم بمواقف مُشابهة إلا على صعيد من أحبّهم ! هي مزحةْ إذاً !

مزحة و الله مزحة !

إلى كُل من أحبهم  : أريدُ أن أحبكّم بطريقتي الخاصة !

أريدُ ألّا تُفارق وجوهكم “ الضحكة ” طالما أنا بجواركم !

أحبّكم  🙂

و أنا مش سوسة 😦 !


هو أنا هروح اسكندرية قبل ما أموت ؟

10 يناير 2011

مُذ أتَت 2011 و قلْبي مقبوضْ , لا لشيءٍ أعلمُه , و لكن أشعُر بقرب  ضيْرٍ ما يخصّني أنا أو منْ أُحِبْ ! مريبٌ هو شعور إنتظار المكروه , كُلّما حدث شيء بصورة فُجائية أجدني أصطدم بسقف البيت من الفزع !
البارحة , سمعتُ أُختي الصغيرة تقول لأمي : ” ماما , بابا نايم في الصالون و مش راضي يصحى” .. , انتفض جسدي فجأة  و رحتُ أتسحّب إلى الصالون بخوْفٍ فظيع , هذا لأني كُنت قبل ثوانٍ أتحدثُ و أبي عن برنامج تلفزيوني كُنا نُتابعه و كان بكامل نشاطه و لم يبدو عليه آثار نعاس البتّة ! دخلتُ الصالون و وجدّته مُلقى على إحدى الأريكات و بمجرّد أن اقتربت منه , فتح عينيه و أغلقهما ثانية بسُرعة, و شعرتُ بذلك  و كأن برميلاً ضخماً من الماء دُلِقَ على قلْبي ,
و على هذا الموقف لكُم أن تقيسوا عدد المواقف المُشابهة على مدَار اليوْم , المُخيف أنّ حدْسي دائماً لا يُخطأ خاصة عندما يتعلّق الأمر بالمصائب ! دائماً تطربني خطوات “كزدرتها ” تجاهي !
قبل فترة وجيزة , أخبرتني صديقة لي من الاسكندريّة أنّ إحدى أكثر الأشياء التي تتمنّاها , هي أن تزور ” فلسطين ” و سألتني ” هو إنتي هتعزميني في بيتكو لو نزلت غزة ؟ ” , حتّى أنها من شدّة رغبتها بتلك الزيارة حلُمت بالفعل أنها  تأتي فلسطين و تجوب برفقتي كُل المناطق المقدّسة ” لا تعلم أن شأني شأنها , أحلم بمن يأخذني إلى هُناك
أوّل ما دار برأسي وقْتها ” بعيد الشر عنّك ” .. ولم أعرف لمَ قُلت تلك الجُملة إلا بعدما حدث إنفجار كنيسة القدّيسين في الاسكندرية ذاك! و كأن حُلمها بالمجيء إلى أرض الثورة و الحرب , كان نذير شيء ما يشبه لغة النار المُصاحبة لأرض غزّة  على مر عصورْ !
أتساءل لو تحوّل بنا الحال , و حلمتُ أنا بالقدوم إلى الإسكندرية ؟ تُرى سيكون هذا التحوّل نذير ماذا ؟ أحُب و فرح مِنهُم لنا ؟ أمْ انفجار آخر أقوى لهُم ؟ .. هل تصوّري صحيح ؟
على أيةِ حالْ , حُلم يقّظتي مُنذُ سنين هو زيارتي الاسكندرية , و سأحتفظ به حُلم يقظة إلى أن يصبح حقيقةْ لا خيال في حُلم !
لكن 2011 تُخبرني أنّي لنْ أكُون ؟

مع أن رائحة الملح و السمك , و سفن و مراكب على الشاطيء , و سيارات التاكسي على الكوبري , و ضحكات رفقة لا تمل , كُلها أمام ناظري الآن !
هو أنا هروح اسكندرية قبل ما أموت ؟
😀

اشبك الكهربا يا حسَن !

31 ديسمبر 2010

اشبك الكهربا يا حسَن !


أن تحيا حياة مُختلفة هو أن تعيش في غزّة ! غزة هي أم و أب و جد و جدة الاختلاف !  كل العالم تحكُمه قوانين معينة و غزة وحدها تحكُمها قوانينها الخاصةْ ! في العالَم من الطبيعي أنّ منْ يعمَل هو منْ ينتظر الراتب في آخر الشهر , لكن غزة انفردت بأن منْ يلتزم بيته هو الحاصل على الراتب في آخر الشهر ,

كذلك بالنسبة للكهرباء ! فمن يدفع الفواتير أومَن  لا يدفعها,  يُعامل على السواء ! ..

و هُنا تكمُن فاجعة غزةْ ! ” مشكلة انقطاع الكهرباء لساعات طويلة” أو بالأحرى ” مُشكلة وجود الكهرباء لساعات قليلة جداً جداً .. ممم جداً خلال اليوم !

و لأننا في غزّة ,كانت حلولنا كثيرةْ ! ..  من بينها : ” اشبك الكهربا يا حسن” !

حسن ؟

لمْ أعرف من هو حسن إلا بعدما واجهتنا مشكلة انقطاع الكهرباء , ليصبح حسن من مجرّد جار مجهول نوعاً ما إلى ماتور كهرباء بديل لبيتنا ! كذلك الحال نحنُ بالنسبة لهُ !

كانَت تلك أوَل جُملة مركّبة تركيباً صحيحاً لأختي الصغيرة حديثة النُطق قبل سنتين من الآن ” اشبك الكهربا يا حسَن ”

بمجرّد ان انقطعت الكهرباء عن المنزل ننتظر 5 دقائق على الأكثر لنتأكّد أنه دورنا في تلك اللحظة ” فكثيراً ما تنقطع الكهربا خلال الساعات الكهربائية ليكسَب عامِلو الكهربا بعض الدعوات منّا عليهم سريعاً .. ثم تعودْ ” و بعدها نهُم على الشبابيك المواجهة لبيت حسَن لنستكشف من إضاءة المنزل إذا ما كانت الكهرباء في بيت جارنا حسن أم لا !

و يا و يله إنْ كانَت بزيارته , نستلمه بالنداء دون توقّف ” حسن , حسن , اشبك الكهربا يا حسن ” و إنْ لم تُجدي ” حسن” نفْعاً فإننا نناديه ” أبو علي ” لأنه بالتأكيد سيحبها أكثر من حسن و بالتالي سيصل لنا كابل الكهرباء سريعاً  ! 😀

المُصيبة أو ” الفقسة “ حين نهُم على الشبابيك و نجد أن حالَ حسن من حالنا ! 😦

نجلس ننتظر أن يصل سواد الليل أوجّه ., لنطلب من أبي أن يحرّك الماتور كحل نهائي أخير لمعاناتنا الكهربائية الجديدة لذلك اليوم !

بغَض النظَر عن سلبيات الماتور البديل ” كهرباء حسن ” من ضعف الكهرباء لديه  كنتيجة طبيعة نظراً لأنه أصلاً يمد الكهرباء لبيته بكابل صغير من بيت أهله على مدار العام كنفس الكابل الذي يصل بيننا في حال انقطعت الكهرباء

إضافة إلى ذلك , رانيا ! ” زوجة حسن ” التي تنتظر انقطاع الكهرباء لديها في المنزل لكي تعجن خبيزها على عكس الناس , لأنها تحتاج كهرباء أقوى لتخبز خبيزها بسرعة أكبر مستغلّة كهرباء منزلنا ! =D .. رائعةْ !

أيضاً تصرفنا بكهرباء حسن مقيّد جداً بسبب حرص أبي الشديد ” اوعوا يا ولاد , الكهربا مش كهربتنا ” ” ولكو حرام , اطفو الضواو اللي ملهاش لازمة ” …الخ

لكن يبْقى حسن , و كهرباء حسن , و رانيا زوجة حسن ” على راسنا من فوق “ !

يووووه … اشبك الكهربا يا حسن !


27.12.2008 آخ يا بلَد..أثقَلتْها ذِكريَاتُ الوجَع!

27 ديسمبر 2010

بِقدوم ذِكرى الوجع تِلك , رُوحي ترتجِف بقدرٍ يفوق ارتجافي وقتها .. وقلْبي ينخزُه جُرحه القديمُ الحديثُ بصورة الموْت المكرر التي عِشناها قبل عامين من الآن !

بالمُناسبة , أكره تسمية ما حدَث بالحَرب ! هي مجْزرة .. كُنا فيها ضحايا كُل شيء ! .. موت , دمار , خوف , بُكاء .. كُنا طرفاً مُجنَىْ عليْه ليس بجاني ! و كُنّا سبباً باستمرار المجزرة تِلك حينَ وضعنا أنفسنا أمام العالم بأننا و عدوّنا  في نفْس الكفّة .. كِلانا يقتُل و يُدمّر ,, و يسبّب ضحايا في جانب المدنيّين ..  و ندّعي بأننا نملِكُ صواريخ خارقة للعادة في حين كوْنها “طُقّيع! ” .. دون أن نعي أن عدونا هو المُستفيد الوحيد من وراء إدّعاءاتنا الوهمية   ” على قولة ستي : إحنا شعب كبير قُحمة ” !

و لأنّي فلسطينية غزيّة ! .. اخترتُ أن أبدأ مدوّنتي بالحديثِ عن تِلك المجزرةْ ! و لأنّ بلَدي أثقِلت ذِكريات وجَع .. رأيتُ أن أذكُر ما حّدث من مَنظورِ مُختلف  غير الوجَع! .. أتحدّثُ عن جُمال أرواحنا وقت الشدّة ! عن  الإيجابُ القليل الذي خرَجْنا بِه من هذه المجزرةْ ! أحببتُ أن أربط التاريخ المشؤوم بأحداثٍ أحبَبْتُها ! ذِكريات لَمْ تُصادِِفني إلا بِحَرب ! رَغم سعادتي حين تَذّكُرها !

أحببتُ كُل شيء !

.. أحببتُ البرد الدافئ ببطانيات تلُفُّنا جميعاً صغيرنا و كبيرنا .. و ساعات تمرُّ بنا ما بين دقائق سكون نسمع فيها “حواديث” جدّتي أو أحد الكبار .. و دقائق لا يصمت فيها أحد .. تجد كل خمسة أشخاص بجانب من غرفة جدتي الواسعة و الحديث يأخذنا لساعات تمضي كما البرق .. لا نشعر بانقضائها إلا عندما ينتهي كل منّا بإفراغ ما في جعبته من “برم” .. النّمْ – بالرغمِ من شدّة الحال التي نعيشها و عدم ضماننا باستمرار حياتنا لدقيقة واحدة تاليةْ – إلا أن نصيبه داخل “حودايثنا” كان وفيرًا ! .. حتى أنّ في الأيام الأخيرة من الحرب نمّنا كان على أشخاصٍ معنا بنفس الغرفة , ذلك لأنّ لمْ يبقى أحد خارجها إلا و أخذ نصيبه ” خِلصوو اللي برّة

أحببتُ رائحة الخُبز المحمّص و رائحة الزيتون على العَشاءْ.. والشاي بالنعناع  من حديقة منزلنا الخلفية كان قد زرعها أبي قبل مدّة من المجزرة ..

حتّى لحظات الخوْف أحببتُها ! كانَ فيها شيئاً لا يشبه الخوْف أبداً .. كانت هناك ثِقة و إيمان غريبان لم أعرف حتى اليوم مصدرهما .. مجرّد وجود أب و أم و أقارب بجوارنا كان يُشعرنا بدفء و أمان .. كان هناك صوْت يُخبرْنا أنّنا حتى لو مُتنا .. سنموت معاُ و لن نشعُر بفقد و لا حاجَة ! كانت نظرات أهْلي مُطمْئِنَة على الرغم من أنّي أُجزم أنهم كانُوا يلتهبون قلقَاً علينا ! لا أُخفي عليكُم أنَ الوضعَ وقْتها كان يستحق الصُراخ باستمرار من فاجعته ! هِيَ الثِقَة و الإيمان ..فقط كانَت أسلحتنا ! لأنّا أصلاً كُنّا ننتظر الموْت !

كنّا أحياناً نجْلس بصمْتٍ غريب دون أيّ حِراك .. اليد على الخد .. لا نقوم بأي شيء سوى انتظار شيء لم أعلمه إلا بعدما خرجنا من تلك المحنة .. كانَ الموت ! الموت هو ما انتظرناه ! لمدة ثلاثة أسابيع كاملة !

حتى أنني لمْ أمسك أي كتاب خلال تلك المدة رغم أني كنتُ طالبة توجيهي و من المهم استغلال كُل لحظة تمر ,, ردّي كان جاهزاً دوماً “أدرس و أروح أموت ؟ و تروح دراستي ع الفاضي ؟” كان كُل من يسمعني يظن أن ما أقول مزْحةْ ! لكنّي كُنتُ أقصد ما أقول لأنّي فعْلاً كُنتُ أنتظر موْت و ليس فصل دراسي ثان بالمدرسةْ !

كنا للحظات كثيرة نحيا و كأن شيئاً لا يحدث بالخارج .. نضحك , نغنّي , نصلّي , نلعب , نأكل , نطرّز , نتعارك .. و بين الحين و الآخر نُفاجَأ بلحظَة انهيار لأحدنا .. يكون وقتها قَد فاق على الحال الذي يعيشه و على واقع انتظاره للموت ! يبْكي و يبْكي و نحنُ جميعنا حوْله نحاول أن نكُفّ بُكاؤه في الوقت الذي يكون فيه كلٌ منا لديه الرغبة في الانفجار بكاءً ! لكن كُلاً بدوره !

كُل غزّة كانت خطَر .. الموْت كان يحوّط أهلها من كُل جانب ! لمْ تكُن هنالك منطقة آمنة و أخرى خطرة ! بل كانت منطقة خطرة و منطقة أقل خطرًا ! .. و هُنا ظهرت إحدى أكثر الأشياء التي أحببتها فينا ! بدأ الناس في الأماكن الأقل خطر باستقبال الناس التي تسكن في المناطق الخطرة ! ..

بيتنا المكوّن من 3 طوابق , شقة صغيرة لجدّتي و أخرى لنا و في الطوابق الأخيرة شُقَقْ أعمامي , استقبلنا فيها 3 عائلات “3 إخوة و زوجاتهم و أبناءهم ” من المناطق الخطرة في غزة الكائنة في حي البرازيل المقابلة للحدود في رفح .. جاءت هذه العائلات و غيّرت معها حالة الملل التي كنا نعيشها وقْتها , على الأقل أصبحنا نسمع قصص أخرى غير التي سمعناها أكثر من مرّة .. وأصبحنا نتلصص لسماع ” نمنمات ” تخصّ آخرين ,سرعان ما انسجمنا معهم, شاركونا كل شيء و كذلك نحنُ !

إحدى النساء كانت مصرية المنشأ متزوّجة هُنا .. كانت بمثابة ” قناة مسلسلات مصرية ” !

حين تتحدّث يصمُت الجميع و يسمعها !و هي لا تصمُت أبداً .. حديثها لا ينتهي ! أضافَت نوعاً من التغيير خلال وجودها .. هي قناة مسلسلات و ابنتها قناة أناشيد أطفال !

مرْوة ! إييييييييه  ! أنا و الجميع في بيتنا حين نتذكّر الحرْب نتذكّر مروة ! للجو الذي خلقَته مروة – 4 سنوات – طعمه الخاص! .. كانت تُخطيء نُطق معظم الحروف .. و أبرزها حرف ” الخاء ” .. و تلفظه ” حاء ” و الطريف أنها تلفظ حرف ” الخاء” بدل ” الغين ” ! كانت جملتها المشهورة وقتها ” أخنيلكو أخنية أنا و أحي ؟ ” !

هذا إضافة إلى أن مروة هي التي عرّفتنا على إخوتها ” هادول إحواتي , أحويا … و أحتي …. ” لزيزة مرْوة !

طبعاً الواحد لمّا يطوّل على التلفزيون راسو بتصدّع  و إحنا ما شاء الله كان عنا 10 تلفزيونات ببعض .. عشان هيك بنشرد فوق ” !

و هُنا تبدأ جلساتْنا الخاصة مِن بيت لآخر .. أنا و أختي و ابنة عمّي !

مما أنتجَتهُ الحرب...

و عندما نقول جلساتنا الخاصة .. أعني الشاي و الزعتر و الخبز المحمّص ! .. و الأغاني القديمة ” أغاني أوقاتنا العصيبة التي غالباً ما تكون للدراسة ”  و كانت للحرب أيضاً

نجلس نتسامر .. و نأكل زيتنا و زعترنا ثمّ نَمِلْ ! فتقول ابنة عمي ” ولكو ازهقت تعو نطلع فوق عنا ” و بالفعل نغيّر المكان و نجلس نتسامر ثمّ نجوع , فنحمّص الخبزات و نحضر الزعترات و الشايات  و نأكُل و هكذا حتى نمِل ..  و  تمرُ بِنَاْ ثواني بلا كلام .. فقط وجع قلُوب ! تحاول ابنة عمّي أن تزيله بخيوط التطريز الملوّنة .. لتشارك صمْتها ببعضٍ من أمَل .. أوْ حتى قد لا يكون أمل ! .. هو فقط وسيلة تشغل فيها وقْتها بشيء تُحبه يُنسيها حالها !

شَاءَ القَدَر أن تكُون ابنَة عمّي – قِطعة من الرُوح – بعيدة عنّا و عَن غزّة  في الذِكرى الثانية للمجْزَرة , كُنّا نظُن أن ذلك من حُسنِ حظّها , لكن اتّضح لنا أنّ في البُعْد تُهاجِمها الذِكْرَى وحدها بِتفاصيلها  !

في 25/12 كُنتُ أخبر أختي بأنّي سأبدأ المدوّنة بوقفة تخصّ الحرب و أخذنا الحديث إلى ذكرياتنا معاً ..في تِلكَ الأثناء استوقفتنا سطور سلمى ” ابنة عمّي ” :

في الحرب لم نبكي لأن الدمع حياة. كان من الضروري ألا تشعر بالحياة كيلا تموت! فقررنا أن نؤجله قليلاً. بُعيدها لم يقرروا أسبوعاً للبكاء فعدنا سريعاً إلى دراستنا وأشغالنا وكان علينا أن نجيب على أسئلة الصحفيين الغربيين الغبية. بعدها نسينا! اللآن فقط بعيداً قليلاً تذكرت أن أبكيني وأبكيهم. الحمدلله على البعد والأغنية

ردّي كان سريعاً :

شعوركِ بِنا , و شُعورنا بكِ .. كبيرْ ! , سلمَى !!
قبْل دقائق كُنتِ تجوبي البالْ .. كُل لحظات الحرب بزعترها ودموعها و شموعها
و حُزنك المخْفي وقتها كان أمامي الآن
كُوني بِخيْر في البُعد , بِلا دُموع
🙂

رغْم موْتها , يكْفي غزّة بِضعُ مُكسّرات و ساعاتان بدون إنقطاعٍ للكهرباء مع شاشة تِلفاز صغيرة و عائِلة يكونُ الأب فيها مدريديّاً و ابِنه الأكبر برشلوني متعصّب و أُم و أبناء يراقبون بمتعة , لِتنبض بالحياة من جديد !