Archive for the ‘وطني و وجعه ..’ Category

فِي الذَّاكِرةْ ,

16 سبتمبر 2011

بدأ الأمر حين لفت انتباهي حرص والدتي الشديد على رفع كتاب يشبه الألبوم أعلى الرفوف , كان يعكّر بياض لونه حروفٌ حمراء بلون الدم تحمل اسمه , و بأسفل الحروف صورة كان لنظري المتواضع في طفولتي وقتها سبباً في إخفاء معالمها ,

كلما هبّت نسمة هواء قوية أو مرت هزة حركت فيها الرفوف, سنحت الفرصة للكتاب بأن يُبرز نفسه أكثر , يظهر و يخبر كل من في البيت أنا هُنا ! – رغم المحاولات المكررة لوالدتي في إخفاءه عن أعيننا و أيدينا ,

كُنت أشعر أن ثمة شيء داخل الكتاب يصعب على طفلة بعمري أو بعمر أخوتي استيعابه , أو شيء ما سيصدم خيالنا و تفكيرنا !

مرّت أيام , حتى قررت التسلل إلى تلك الواجهة حيثُ الكتاب , تناولته و أخذت أقلّب الصفحات , و مع كل صفحة كنت أربط ما بين توقعاتي للكتاب قبل أن أصله و ما يحويه فعلاً , اكتشفت في البداية أنه كان فعلاً ألبوماً , و لكن ألبوم يحمل صور موتى , مناظرهم مُرعبة , جُثث مُنتفخة بشكل غريب ملقاة على الأرض و محشورة بين الركام بطريقة تستبعد فيها أن تكون جثث بشرية ,

أدهشني احتفاظ والدتي بصور كهذه في المنزل , إنها مرعبة , لكن ما قلل دهشتي حينها ,ذلك الشيء الفطري الموجود داخل كل روح فلسطينية بعمري , نحن نملك عدواً يكرهنا يُدعى ” اليهود ” , و لا يقوم بقتلنا على هذا النحو من الوحشية غيرهم .. فعلمت بسرعة أن هذه الصور هي حلقة من سلسلة حلقات اعتادت أذني على سماعها من اللحظة الأولى التي شاء القدر فيها أن أكون فلسطينية !

في فلسطين حين يشتم طفل طفلاً آخر ” يلعن أبوك ” , و يقرر بعدها أن يعتذر يقول ” خلص خلص يلعن أبو اليهود ” –

لم تنزعج مني والدتي كما توقعت , أخذت الكتاب فقط و أعادته في نفس المكان , و كأن غرضها من الأساس لم يكن إخفاءه كما اعتقدت , بل أن أجده  بنفسي حين يحين الوقت لذلك , و أن آتي أنا و أطلب منها أن أعرف أكثر ! تماماً  كما فعلتُ لاحقاً , فالكتاب و صوره شغلوا تفكيري كثيراً , كنت بحاجة لأن أعرف أكثر !

و كانت أول مرة أعرف بها تفاصيل المجزرة عبارة عن ” حدوتة قبل النوم ” !

استلقيتُ و اخوتي في حضن والدتي في ليلة مشابهة تماما لليلات كنا نستمع فيها لـ ” قصة الشاطرحسن ”  , و بدأنا باسترسال الأسئلة حول الكتاب و هي تجيبنا , لا تزال المشاهد التي رسمتها بخيالي وقتها عن المجزرة نتيجة لحديث أمي عالقة في ذهني حتى اليوم , مشهد المرأة الحامل التي مُزق بطنها و أُخرِج جنينها , و الرجال الذين قيدوا إلى المدارس بأيديهم المكبلة و عيونهم المغماة و تمت تصفيتهم بالرصاص , و أكثر .. كله ببالي الآن !

نحن لا ننسى , و أجد أن طريقة التربية تنتقل من جيل إلى جيل بحرفية بيننا , و كأننا نربي فلسطين داخلنا , و في كل يوم تكبر أكثر !

في طفولتي , عرفت ما تسمح به طفولتي الفلسطينية و لا تسمح به الطفولة عموماً عن صبرا و شاتيلا , و في كل يوم كنت أعرف ما يسمح به عمري الفلسطيني عن كل جرم نالته فلسطين منهم !

و لأننا لا ننسى ,

أعرفُ أن المجزرة بدأت في 16 أيلول ‏1982 و استمرت ل 3 أيام بغياب عن وسائل الإعلام ، حتى وصل عدد الضحايا ما بين ٣٥٠٠-٥٠٠٠ شخص

و أنها كانت بقرار إسرائيلي و بتنفيذ من القوات اللبنانية ” حزب الكتائب ” , و حتى لا تتوقف المجزرة ليلاً كان الجيش الإسرائيلي ينير المخيم بقنابل ضوئية , و حين ينتهي القتلة من دورهم يمدوهم بجرافات ليطمروا الجثث

و أعرف جيداً أنهم استمروا بقتل من في المخيم لـ 40 ساعة

و أن المجزرة حدثت على الرغم من أن أمريكا تعهدت في ذلك الوقت على حماية بيروت الغربية و اللاجئين الفلسطينيين .

و أعرف أن مجزرة صبرا و شاتيلا واحدة من كثيـــراتْ

أنا أعرف الكثير .. و أبداً  لن أنسىْ !

ملاحظة : الكتاب لا يزال مكانه , لكني حتى هذه اللحظة لم أقرأه , لأني أعلم أن لا كلمات ستبلغ حجم تلك الصور .

Advertisements

شوية غزة ..

22 أغسطس 2011

كُنت كلما شاهدتُ صورة لشخص ميت , تذكرتُ أمراً أخبرتني إياه زميلة لي بالمدرسة , قالت لي أن كل شهيد يشفع لعدد معين من أهله يوم القيامة , و يدخلوا جميعهم الجنة معه ,

وقتها لم أكن أفرق بين الشهيد و الميت , كلاهما كان شهيد بمنظوري , فكنت أنادي الموتى جميعهم شهداء ! ..حتى كُنت أفضل مصطلح الشهيد أكثر , كان حدسي يخبرني أن كلمة شهيد تعطي الشخص منزلة أعلى من كلمة ميت ! ..

من منطلق أننا لا نموت .. اليهود هم من يقتلوا الحياة فينا ! ..

كان يشغلني كثيراً أن أعدّ الشهداء” الموتى ”  في عائلتنا الصغيرة , ثم أعدّ أفراد العائلة كلها , و أبدأ بتوزيع العدد على عدد الشهداء “الموتى” ,, و أجد أن عدد الشهداء يشفع لعدد أكبر من عدد أفراد العائلة ! , قد يشفع للفرد الواحد أكثر من شهيد !

بعدها بفترة , علمت أن الشهيد يختلف عن الميت ! , و الشهيد فقط دون الميت , هو من يشفع !

فبدأت ” أعيد الحسبة ” , و أعدّ الشهداء من الموتى ! .. لكنى وجدتُ ” الحِسبة” لم تختلف كثيراً .. فأغلب موتى العائلة شهداءْ ! .. جدّي فقط الميت بينهم !

والجميل أن عدد الشهداء تناسب جيداً و أفراد العائلة .. سيكفوا لأن يشفعوا لجميع أفراد العائلة , و الجيران إيضاً إن شاء الله !

ممم لكني كُنت أشعر أن هناك خلل ما في حسبتي , فدرجة القرابة للشهداء مركزة في مجموعة معينة داخل العائلة , الشهداء كانوا كالتالي ” الأب , ابنه و ابنته ” !

الله يرحمهم ..

ملاحظة : إتدايقت كتير وقتها إنه سيدي مش شهيد .. و مش رح يشفعلنا .. كانت صدمة !

كأنه صعبة ع طفل يشغل باله بتفكير معقد هيك ؟

ممم كُنت طفلة .. بس طفلة فلسطينية 🙂

لولو , كانت الابنه الشهيدة في عائلتنا , كانت طفلة فلسطينية أيضاً ,

في الإنتفاضة الأولى , ذهبت لبقالة صغيرة قريبة من البيت لتشتري سكاكر أو شيء من هذا القبيل , قابلتها في الطريق رصاصة من إسرائيلي حقير , قسمت دماغها لقسمين , قسم بقى و قسم هزّ الأرض وقوعه ,

عاشت لولو عشر سنوات بعدها مشلولة , تسرّب لها أمها الطعام و الشراب بعد أن تستميت في فتح فمها , ماتت بعدد أيام العشر سنوات !

لطالما كانت تشعرني هيبة ” كلمة شهيد ” أن شخصاً كبيراً يجب أن يحملها , لن يستطيع طفل حملها !

لكن لولو حملتها ! ..

الطفل اسلام ابن العامين حملها أيضاً , قبل يومين و خلال العدوان الإسرائيلي على غزة هذه الأيام , كان إسلام مع أبيه و عمه على دراجة نارية متوجهين لمستشفى , لأن إسلام كان قد جُرح و يحتاج لأن يخيط الجرح !

لم يصلوا المستشفى ! .. لأن صاروخاً قطع الطريق عليهم .. و قطعهم !

طفل آخر في رفح ,  خلال هذا التصعيدالإسرائيلي على غزة , اشترت له أمه ملابس العيد , ألبسته إياهم و أرسلته لأبيه كي يريه الملابس  , حصل القصف .. راح الولد و أبوه و لبس العيد !

كأن كُلي يموت !! .. أطفال يا رب ! 😦

ما يرعبني ليس الصواريخ , لكن مجرد التفكير بأن يصاب أي من أفراد أهلي بمكروه , أشعر بالخوف !

رغبتي تزيد بأن أضمهم بين ذراعيْ طوال الوقت , لن يهم إن متنا وقتها , حتى لو متنا سنموت سوياً

حرب غزة الماضية آثارها بنا لم تنتهي بعد يا رب , حيلنا لسة مهـــــــــدود !

تمثيل .. حقيقةْ

14 أغسطس 2011

أذكُر في صغري , حين كان يُبكيني مشهد تلفزيوني ما , كانت تُخبرني أمي أنه مجرد تمثيل , الميت لم يمت , و الباكي لم يبكي !

فأكف عن البكاء  و أتابع المشهد مرددة ما أخبرتني إياه أمي ,كي أمنع استنزاف مزيدا من دموع لا معنى لها ..

مرّة , مات الحبيب في مشهد و جلست الحبيبة تبكيه بحرقة حرقت بها قلبي , جعلني المشهد أقفز مكاني مرة بعد مرة و أردد ” تمثيل تمثيل مش حقيقة ” .. اكتشفت يومها أن القفز حل ظريف لمنع البكاء يجعل الفرح يتسرب بين الخلايا , دون أن تدري !

تكرر الموقف معي في مشهد آخر , لكنه  هذه المرة مشهد ظهر في تقريرٍ إخباريْ ,مشهد حقيقي و ليس درامي بشكلٍ أدق ! .. طلقة واحدة أنهت حياة شاب هتف اسم بلده , رفع العلم عالياً , سقط هو و بقى العلَم !

قفزت يومها و قفزت .. ورددت ” تمثيل تمثيل مش حقيقة ” .. لكني بكيت ..

و من يومها لم أعلم .. إن كان المشهد الأول الذي أخبرتني أمي فيه ” تمثيل ” .. كان حقاً تمثيل ؟ .. أم حقيقة ؟

كبرت .. و عرفت أن الحقيقة الوحيدة التي تربّت داخلي في صغري  أن كل ما أشاهده على شاشة التلفاز ليس حقيقي .. و كل ما يعرض يستحق تلك القفزة !

ليكن .. كثنت هبلة 🙂

تمثيل ؟ .. صحيح !

لكن يكفي شعورك أن هذا كله لا شيء بالنسبة لما مرّ به هُم

و أن نحو ألف عائلة تعيش حال عائلة واحدة بكيتها أنت في المسلسل !

هع تصالحنا

31 مايو 2011

 

منذ الإعلان عن إتفاق المصالحة بين حركتي فتح و حماس , و أنا و عائلتي نترقّب شيئاً ما يوحي بمدى صدق النوايا لدى الطرفيين تجاه هذا الإتفاق ,

في اليوم التالي للإعلان المُفاجيء عن هذه المصالحة , بدأت الإحتفالات سريعاً في أنحاءٍ مختلفة من القطاع حسب ما قيل , و لكن كوننا نسكن في حيٍ بعيد إلى حدٍ ما عن البلد – يكاد لا يكون من فلسطين أصلاً نظراً لقلة مشاركة أهالي الحي بأي حدث – , لم نعلم بحدوث هذه الإحتفالات إلا حين قدم لبيتنا أحد الأقارب , كان قد قام بجولة سريعة في البلد , و أخذ يحدثنا عن الاحتفالات التي تحدث الآن هناك , حتى وجدنا ماما تنتفض : يلا يا خالد بدي أروح ع البلد ! 😀

خالد -اللي هو بابا – صُعِقَ من سرعة القرار , و نظراً لهذه السرعة رفض الخضوع له 😛

 و لهذا قررت ماما أن تذهب لتشارك بهذه الأجواء هي و أخوتي الصغار , تنفّست الصعداء هناك لساعة و عادت سعيدة – مُنشكحة – 😀

أخبرتنا أنها في طريقها للمنزل سمعت أحد الركاب يقول : ” و الله يتصالحو أو ما يتصالحو مش فارقة , بس أنا نفسي فتح ترجع عشان أخبّط في بطون اتنين “:D

و فعلاً , اتضح مع مرور الوقت أنّ غالبية الناس هُنا فهمت المصالحة بشكل مغلوط , يتمثل بـ ” عودة فتح ” لحضن غزّة !

و يا أهلا و سهلا يا أهلا و سهلا .. لم تخلو أسطح حي , سيارة , دكانة , سوبر ماركت , موتوسيكل , أو حتى توكتوك من الأعلام الصفراء 🙂

كل هاد حطوه على جنب !!! , جيرانا الأعزاء الملقبّون بـ “ المحشي فاميلي ” اعدّوا احتفالاً خاصاً جداً بمناسبة عودة فتح , بدأوا منذ الساعات الأولى من الصباح بتحضير الكراسي و مكبّرات الصوت و الشوادر و كل ما يلزم . و قاموا بتشغيل الأغاني الفتحاوية  من الساعة الرابعة و صولاً لساعات متأخرة من الليل .. إشي ” إحنا الأمن الوطني آه , إحنا القوة الخاااصة آه 😛 ” و إشي ” يمّ الجماهير يا فتح ” و إلخ الخ الخ … هما بيرقصو برّه و احنا بنرقص جوة :$

طيب ؟ و بعد هيك ؟

احتفلنا و قلنا هيييه .. و بعدين ؟

و لا قبلين 🙂

 

من يومها أنتظر أي شيء يوحي بمصالحة ! , حتى آمنت بقول أن ما حدث كان فعلاً “ إدارة للانقسام ” و ليس ” مصالحة ” !

من كثرة انتظاري لأي شيء  يوحي بمصالحة خلال اليومين الماضيين , بدأتُ أنتبه لتفاصيل قد تكون فعلاً من نتائج المصالحة ,

البارحة .., كُنتُ مُسرعة في طريقي للجامعة , و إذ بطفلة لا يتجاوز طولها عقلة الاصبع تبعد عني مسافة 10 أمتار تقريباً , تركض نحوي مادّة يدها خلال ركضها حتى وصلت إليّ و سلَمت !

ليتكرر الموقف مع خمسة آخرين كانت تلعب معهم , مدّوا أيديهم جميعاً و سلّموا , تركتهم و مشيت خطوتين , حتى وجدت أخرى تركض خلفي مدّت يدها أيضاً و سلّمت , اكتشفتُ أنها كانت داخل البيت عندما مررت بهم , نادوها هُمْ كي تسلّم ! .. هنالك إصرار على التسليييم ! 😀

 على الرغم من أنّي أمر كل يوم من جانب منزلهم إلا أن هذا الموقف لم يحدث من قبل ! فكركو هاد من تأثير المصالحة ؟ 😛

ممتاااااز و بزيادة و الله !!

 

المُلفت أيضاً بهذا الصدد , حملات إصلاح الطرق التي تقوم بها حكومة حماس في القطاع ! يا ترى ليش اه  ليش ؟

 

 

ممم و ها نحن ننتظر

 

بربّكم , لأجل فلسطين ثوروا !

13 مارس 2011

بربّكم , لأجل فلسطين ثوروا !

اجعل من 15 آذار فرصة  لمِ تُمنَح لكَ من قبل , تُخبر الوطن فيها كم تحبّه !

لا تسمع لما يُشاع عن انتماء خروجك يومها لأي جهة ,

أنت تخرج فقط لأنك فلسطيني , لأنك حُر , لأنك ترفض الانقسام , لانك تنتمي لوطَن له قضية أرقى من أن تكون نهايتها هكذا !

انسى كُل شيء , انسى ان هُناك من سيخرج  يوم 15 آذار غيرك , اخرج و كأنّك الوحيد – شخص يحب وطنه  يخرج اليوم من أجله , و من أجله فقط , لا ينتمي لأي شيء سوى فلسطين

و هُناك اشعر بالآخرين مِثلك ,

وقتها فقط  , ستتنفّس رائحة عدوّك ,

و ستعرف من هو جيداً !

كُن فلسطيني , و ثُر !

لأجل فلسطين , اخرجوا
لأجل فلسطين ,
بربكم , لأجل فلسطين !

بنتزكّر نبكي متأخر .. لان وقت مصايبنا ما بكون معنا وقت !

9 مارس 2011

,,,

شاءَ القَدر أن أحمل جنسيّة أكثر البلاد سخونة للأحداث في العالم ” فلسطين ” , و شاءَ أكثر أن أكون لاجئة في موقع النكبات الأخيرة على تلك البلد , ” غزّة ” ,

و لأنّي في غزّة ,

أكتب اليوم بعد انقطاع للكهرباء عن حيّنا,  دام أكثر من 24 ساعة !

كان بالإضافة لدورنا في قطعها , خلل في بعض الأسلاك , مما دعا  الشركة لمواصلة قطعها إلى أن يتم إصلاح الأسلاك , ” و أخــــد معهم الوقـــت لحد ما نسيو الدور لمين “

أنهينا كُل شيء يُمكن إنجازه بدون كهرباء , و جلسْنا ! – كُله بيتفشش بكله –

بالمُناسبة , الشيء الوحيد الجميل في انقطاع الكهرباء , أنّنا نستطيع إيجاد الوقت الذي نجتمع فيه جميعاً , بدلاً من أن نتفرّق ما بين التلفزيون و الكومبيوتر و المطبخ و … – من وجهة نظر الأهل طبعاً

ماما كلما قُطعت الكهرباء تُخبرنا ” لولولولوليييي أخيراً شُفنا وجوهكو ” و أرى نظرة الشماتة في عينها ! 😀

المهم , قد نقضي الوقت أحياناً في مساعدتها في ” الحاجات اللي بتزهّق ” مثل – تسفيط الغسيل , تلقيط الملوخية , حفر الكوسا , لف الملفوف , …” و يأخذنا الحديث خلال ذلك عن مواضيع متشعبة لا أعرف حقيقة صلتها ببعضها .

كأن تتحدث ماما خلال لف الملفوف عن جدّتي التي تحب ” العروسة ” أكثر شيء في الملفوف

” عارفين شو هي العروسة ؟ ” هيّ الإشي اللي مش ملفوف بالملفوف و دايماً بتضل بآخر الطنجرة لحد ما يخلص الإشي الملفوف ” 😀

و من عروسة الملفوف نتذكر عروسة الجيران , التي كان عُرسها في صالة قريبة من بيتنا , صاحبها من عائلة تسكن في مخيّم الشابورة , بالقُرب من بقالة أبو الصابر الشهيرة ,

و من هنا نبدأ الاستماع للقصص التي لا نملّها المتعلقة بـ ” طفولة أهالينا ” و ما عاشروه خلال الانتفاضة الأولى , التي غالباً ما كانت تتعلّق بشارع أبو الصابر , – المكان الأشهر لكل ثائر  –

و نستدرج ماما لتبدأ الحديث عن بابا , الحديث الأروع و الامتع على الإطلاق !  ” ما بنحس بساعة و لا بعشرة يمرو بدون كهربا , بتعرفو شو يعني ماما بتحكي عن بابا !! خلص و لا نفَس ! سكوووووت .. و بنسمع !! “

و أنا سمعت ..,

اسمعو شو رأيكو أكمل بالعامية ?

ماما بتحكي و آخدها الحكي …  أشياء بضّحك و أشياء بتبكّي بنفس الوقت , لحد ما وصلنا لأسر بابا !

و قعدت تتزكّر قديش كان الوضع صعب عليها من غيره , فأنا أجى علبالي سؤال بريء !

” و أنا  قديش كان عُمري وقتها  ؟ “

و هُنا كانت الفاجعة !

اكتشفت أمور ما كنت عارفاها !

و لا كُنت أتوقّع إني أكون بهيك موقف !

” أنا إنولدت و بابا أسير في السجن “

” أول مرة بابا يشوفني كان عُمري سنتين “

” لما شفت بابا ما عرفته “

زعلت كتير !

لأنه وقتها ما كُنت فاهمة الوضع حتى , لدرجة إني ما قدرت أعيّط !

و جاية بعد 18 سنة هلا أعيّط ؟

مع إنه كُنت قادرة أمارس العياط وقتها بقدرة أكبر من حالياً بتمتد لدرجة ” الصراخ

زعلانة لأنه كان ممكن أكون بوضعية إنه أول حدا يحملني بس أشرّف ع الدنيا : بابا

أنا بحكي هيك و بعيّط

و كلهم بيضحكو عليّ

بالله ما إشي بدايق ؟

اشبك الكهربا يا حسَن !

31 ديسمبر 2010

اشبك الكهربا يا حسَن !


أن تحيا حياة مُختلفة هو أن تعيش في غزّة ! غزة هي أم و أب و جد و جدة الاختلاف !  كل العالم تحكُمه قوانين معينة و غزة وحدها تحكُمها قوانينها الخاصةْ ! في العالَم من الطبيعي أنّ منْ يعمَل هو منْ ينتظر الراتب في آخر الشهر , لكن غزة انفردت بأن منْ يلتزم بيته هو الحاصل على الراتب في آخر الشهر ,

كذلك بالنسبة للكهرباء ! فمن يدفع الفواتير أومَن  لا يدفعها,  يُعامل على السواء ! ..

و هُنا تكمُن فاجعة غزةْ ! ” مشكلة انقطاع الكهرباء لساعات طويلة” أو بالأحرى ” مُشكلة وجود الكهرباء لساعات قليلة جداً جداً .. ممم جداً خلال اليوم !

و لأننا في غزّة ,كانت حلولنا كثيرةْ ! ..  من بينها : ” اشبك الكهربا يا حسن” !

حسن ؟

لمْ أعرف من هو حسن إلا بعدما واجهتنا مشكلة انقطاع الكهرباء , ليصبح حسن من مجرّد جار مجهول نوعاً ما إلى ماتور كهرباء بديل لبيتنا ! كذلك الحال نحنُ بالنسبة لهُ !

كانَت تلك أوَل جُملة مركّبة تركيباً صحيحاً لأختي الصغيرة حديثة النُطق قبل سنتين من الآن ” اشبك الكهربا يا حسَن ”

بمجرّد ان انقطعت الكهرباء عن المنزل ننتظر 5 دقائق على الأكثر لنتأكّد أنه دورنا في تلك اللحظة ” فكثيراً ما تنقطع الكهربا خلال الساعات الكهربائية ليكسَب عامِلو الكهربا بعض الدعوات منّا عليهم سريعاً .. ثم تعودْ ” و بعدها نهُم على الشبابيك المواجهة لبيت حسَن لنستكشف من إضاءة المنزل إذا ما كانت الكهرباء في بيت جارنا حسن أم لا !

و يا و يله إنْ كانَت بزيارته , نستلمه بالنداء دون توقّف ” حسن , حسن , اشبك الكهربا يا حسن ” و إنْ لم تُجدي ” حسن” نفْعاً فإننا نناديه ” أبو علي ” لأنه بالتأكيد سيحبها أكثر من حسن و بالتالي سيصل لنا كابل الكهرباء سريعاً  ! 😀

المُصيبة أو ” الفقسة “ حين نهُم على الشبابيك و نجد أن حالَ حسن من حالنا ! 😦

نجلس ننتظر أن يصل سواد الليل أوجّه ., لنطلب من أبي أن يحرّك الماتور كحل نهائي أخير لمعاناتنا الكهربائية الجديدة لذلك اليوم !

بغَض النظَر عن سلبيات الماتور البديل ” كهرباء حسن ” من ضعف الكهرباء لديه  كنتيجة طبيعة نظراً لأنه أصلاً يمد الكهرباء لبيته بكابل صغير من بيت أهله على مدار العام كنفس الكابل الذي يصل بيننا في حال انقطعت الكهرباء

إضافة إلى ذلك , رانيا ! ” زوجة حسن ” التي تنتظر انقطاع الكهرباء لديها في المنزل لكي تعجن خبيزها على عكس الناس , لأنها تحتاج كهرباء أقوى لتخبز خبيزها بسرعة أكبر مستغلّة كهرباء منزلنا ! =D .. رائعةْ !

أيضاً تصرفنا بكهرباء حسن مقيّد جداً بسبب حرص أبي الشديد ” اوعوا يا ولاد , الكهربا مش كهربتنا ” ” ولكو حرام , اطفو الضواو اللي ملهاش لازمة ” …الخ

لكن يبْقى حسن , و كهرباء حسن , و رانيا زوجة حسن ” على راسنا من فوق “ !

يووووه … اشبك الكهربا يا حسن !


27.12.2008 آخ يا بلَد..أثقَلتْها ذِكريَاتُ الوجَع!

27 ديسمبر 2010

بِقدوم ذِكرى الوجع تِلك , رُوحي ترتجِف بقدرٍ يفوق ارتجافي وقتها .. وقلْبي ينخزُه جُرحه القديمُ الحديثُ بصورة الموْت المكرر التي عِشناها قبل عامين من الآن !

بالمُناسبة , أكره تسمية ما حدَث بالحَرب ! هي مجْزرة .. كُنا فيها ضحايا كُل شيء ! .. موت , دمار , خوف , بُكاء .. كُنا طرفاً مُجنَىْ عليْه ليس بجاني ! و كُنّا سبباً باستمرار المجزرة تِلك حينَ وضعنا أنفسنا أمام العالم بأننا و عدوّنا  في نفْس الكفّة .. كِلانا يقتُل و يُدمّر ,, و يسبّب ضحايا في جانب المدنيّين ..  و ندّعي بأننا نملِكُ صواريخ خارقة للعادة في حين كوْنها “طُقّيع! ” .. دون أن نعي أن عدونا هو المُستفيد الوحيد من وراء إدّعاءاتنا الوهمية   ” على قولة ستي : إحنا شعب كبير قُحمة ” !

و لأنّي فلسطينية غزيّة ! .. اخترتُ أن أبدأ مدوّنتي بالحديثِ عن تِلك المجزرةْ ! و لأنّ بلَدي أثقِلت ذِكريات وجَع .. رأيتُ أن أذكُر ما حّدث من مَنظورِ مُختلف  غير الوجَع! .. أتحدّثُ عن جُمال أرواحنا وقت الشدّة ! عن  الإيجابُ القليل الذي خرَجْنا بِه من هذه المجزرةْ ! أحببتُ أن أربط التاريخ المشؤوم بأحداثٍ أحبَبْتُها ! ذِكريات لَمْ تُصادِِفني إلا بِحَرب ! رَغم سعادتي حين تَذّكُرها !

أحببتُ كُل شيء !

.. أحببتُ البرد الدافئ ببطانيات تلُفُّنا جميعاً صغيرنا و كبيرنا .. و ساعات تمرُّ بنا ما بين دقائق سكون نسمع فيها “حواديث” جدّتي أو أحد الكبار .. و دقائق لا يصمت فيها أحد .. تجد كل خمسة أشخاص بجانب من غرفة جدتي الواسعة و الحديث يأخذنا لساعات تمضي كما البرق .. لا نشعر بانقضائها إلا عندما ينتهي كل منّا بإفراغ ما في جعبته من “برم” .. النّمْ – بالرغمِ من شدّة الحال التي نعيشها و عدم ضماننا باستمرار حياتنا لدقيقة واحدة تاليةْ – إلا أن نصيبه داخل “حودايثنا” كان وفيرًا ! .. حتى أنّ في الأيام الأخيرة من الحرب نمّنا كان على أشخاصٍ معنا بنفس الغرفة , ذلك لأنّ لمْ يبقى أحد خارجها إلا و أخذ نصيبه ” خِلصوو اللي برّة

أحببتُ رائحة الخُبز المحمّص و رائحة الزيتون على العَشاءْ.. والشاي بالنعناع  من حديقة منزلنا الخلفية كان قد زرعها أبي قبل مدّة من المجزرة ..

حتّى لحظات الخوْف أحببتُها ! كانَ فيها شيئاً لا يشبه الخوْف أبداً .. كانت هناك ثِقة و إيمان غريبان لم أعرف حتى اليوم مصدرهما .. مجرّد وجود أب و أم و أقارب بجوارنا كان يُشعرنا بدفء و أمان .. كان هناك صوْت يُخبرْنا أنّنا حتى لو مُتنا .. سنموت معاُ و لن نشعُر بفقد و لا حاجَة ! كانت نظرات أهْلي مُطمْئِنَة على الرغم من أنّي أُجزم أنهم كانُوا يلتهبون قلقَاً علينا ! لا أُخفي عليكُم أنَ الوضعَ وقْتها كان يستحق الصُراخ باستمرار من فاجعته ! هِيَ الثِقَة و الإيمان ..فقط كانَت أسلحتنا ! لأنّا أصلاً كُنّا ننتظر الموْت !

كنّا أحياناً نجْلس بصمْتٍ غريب دون أيّ حِراك .. اليد على الخد .. لا نقوم بأي شيء سوى انتظار شيء لم أعلمه إلا بعدما خرجنا من تلك المحنة .. كانَ الموت ! الموت هو ما انتظرناه ! لمدة ثلاثة أسابيع كاملة !

حتى أنني لمْ أمسك أي كتاب خلال تلك المدة رغم أني كنتُ طالبة توجيهي و من المهم استغلال كُل لحظة تمر ,, ردّي كان جاهزاً دوماً “أدرس و أروح أموت ؟ و تروح دراستي ع الفاضي ؟” كان كُل من يسمعني يظن أن ما أقول مزْحةْ ! لكنّي كُنتُ أقصد ما أقول لأنّي فعْلاً كُنتُ أنتظر موْت و ليس فصل دراسي ثان بالمدرسةْ !

كنا للحظات كثيرة نحيا و كأن شيئاً لا يحدث بالخارج .. نضحك , نغنّي , نصلّي , نلعب , نأكل , نطرّز , نتعارك .. و بين الحين و الآخر نُفاجَأ بلحظَة انهيار لأحدنا .. يكون وقتها قَد فاق على الحال الذي يعيشه و على واقع انتظاره للموت ! يبْكي و يبْكي و نحنُ جميعنا حوْله نحاول أن نكُفّ بُكاؤه في الوقت الذي يكون فيه كلٌ منا لديه الرغبة في الانفجار بكاءً ! لكن كُلاً بدوره !

كُل غزّة كانت خطَر .. الموْت كان يحوّط أهلها من كُل جانب ! لمْ تكُن هنالك منطقة آمنة و أخرى خطرة ! بل كانت منطقة خطرة و منطقة أقل خطرًا ! .. و هُنا ظهرت إحدى أكثر الأشياء التي أحببتها فينا ! بدأ الناس في الأماكن الأقل خطر باستقبال الناس التي تسكن في المناطق الخطرة ! ..

بيتنا المكوّن من 3 طوابق , شقة صغيرة لجدّتي و أخرى لنا و في الطوابق الأخيرة شُقَقْ أعمامي , استقبلنا فيها 3 عائلات “3 إخوة و زوجاتهم و أبناءهم ” من المناطق الخطرة في غزة الكائنة في حي البرازيل المقابلة للحدود في رفح .. جاءت هذه العائلات و غيّرت معها حالة الملل التي كنا نعيشها وقْتها , على الأقل أصبحنا نسمع قصص أخرى غير التي سمعناها أكثر من مرّة .. وأصبحنا نتلصص لسماع ” نمنمات ” تخصّ آخرين ,سرعان ما انسجمنا معهم, شاركونا كل شيء و كذلك نحنُ !

إحدى النساء كانت مصرية المنشأ متزوّجة هُنا .. كانت بمثابة ” قناة مسلسلات مصرية ” !

حين تتحدّث يصمُت الجميع و يسمعها !و هي لا تصمُت أبداً .. حديثها لا ينتهي ! أضافَت نوعاً من التغيير خلال وجودها .. هي قناة مسلسلات و ابنتها قناة أناشيد أطفال !

مرْوة ! إييييييييه  ! أنا و الجميع في بيتنا حين نتذكّر الحرْب نتذكّر مروة ! للجو الذي خلقَته مروة – 4 سنوات – طعمه الخاص! .. كانت تُخطيء نُطق معظم الحروف .. و أبرزها حرف ” الخاء ” .. و تلفظه ” حاء ” و الطريف أنها تلفظ حرف ” الخاء” بدل ” الغين ” ! كانت جملتها المشهورة وقتها ” أخنيلكو أخنية أنا و أحي ؟ ” !

هذا إضافة إلى أن مروة هي التي عرّفتنا على إخوتها ” هادول إحواتي , أحويا … و أحتي …. ” لزيزة مرْوة !

طبعاً الواحد لمّا يطوّل على التلفزيون راسو بتصدّع  و إحنا ما شاء الله كان عنا 10 تلفزيونات ببعض .. عشان هيك بنشرد فوق ” !

و هُنا تبدأ جلساتْنا الخاصة مِن بيت لآخر .. أنا و أختي و ابنة عمّي !

مما أنتجَتهُ الحرب...

و عندما نقول جلساتنا الخاصة .. أعني الشاي و الزعتر و الخبز المحمّص ! .. و الأغاني القديمة ” أغاني أوقاتنا العصيبة التي غالباً ما تكون للدراسة ”  و كانت للحرب أيضاً

نجلس نتسامر .. و نأكل زيتنا و زعترنا ثمّ نَمِلْ ! فتقول ابنة عمي ” ولكو ازهقت تعو نطلع فوق عنا ” و بالفعل نغيّر المكان و نجلس نتسامر ثمّ نجوع , فنحمّص الخبزات و نحضر الزعترات و الشايات  و نأكُل و هكذا حتى نمِل ..  و  تمرُ بِنَاْ ثواني بلا كلام .. فقط وجع قلُوب ! تحاول ابنة عمّي أن تزيله بخيوط التطريز الملوّنة .. لتشارك صمْتها ببعضٍ من أمَل .. أوْ حتى قد لا يكون أمل ! .. هو فقط وسيلة تشغل فيها وقْتها بشيء تُحبه يُنسيها حالها !

شَاءَ القَدَر أن تكُون ابنَة عمّي – قِطعة من الرُوح – بعيدة عنّا و عَن غزّة  في الذِكرى الثانية للمجْزَرة , كُنّا نظُن أن ذلك من حُسنِ حظّها , لكن اتّضح لنا أنّ في البُعْد تُهاجِمها الذِكْرَى وحدها بِتفاصيلها  !

في 25/12 كُنتُ أخبر أختي بأنّي سأبدأ المدوّنة بوقفة تخصّ الحرب و أخذنا الحديث إلى ذكرياتنا معاً ..في تِلكَ الأثناء استوقفتنا سطور سلمى ” ابنة عمّي ” :

في الحرب لم نبكي لأن الدمع حياة. كان من الضروري ألا تشعر بالحياة كيلا تموت! فقررنا أن نؤجله قليلاً. بُعيدها لم يقرروا أسبوعاً للبكاء فعدنا سريعاً إلى دراستنا وأشغالنا وكان علينا أن نجيب على أسئلة الصحفيين الغربيين الغبية. بعدها نسينا! اللآن فقط بعيداً قليلاً تذكرت أن أبكيني وأبكيهم. الحمدلله على البعد والأغنية

ردّي كان سريعاً :

شعوركِ بِنا , و شُعورنا بكِ .. كبيرْ ! , سلمَى !!
قبْل دقائق كُنتِ تجوبي البالْ .. كُل لحظات الحرب بزعترها ودموعها و شموعها
و حُزنك المخْفي وقتها كان أمامي الآن
كُوني بِخيْر في البُعد , بِلا دُموع
🙂

رغْم موْتها , يكْفي غزّة بِضعُ مُكسّرات و ساعاتان بدون إنقطاعٍ للكهرباء مع شاشة تِلفاز صغيرة و عائِلة يكونُ الأب فيها مدريديّاً و ابِنه الأكبر برشلوني متعصّب و أُم و أبناء يراقبون بمتعة , لِتنبض بالحياة من جديد !