فِي الذَّاكِرةْ ,


بدأ الأمر حين لفت انتباهي حرص والدتي الشديد على رفع كتاب يشبه الألبوم أعلى الرفوف , كان يعكّر بياض لونه حروفٌ حمراء بلون الدم تحمل اسمه , و بأسفل الحروف صورة كان لنظري المتواضع في طفولتي وقتها سبباً في إخفاء معالمها ,

كلما هبّت نسمة هواء قوية أو مرت هزة حركت فيها الرفوف, سنحت الفرصة للكتاب بأن يُبرز نفسه أكثر , يظهر و يخبر كل من في البيت أنا هُنا ! – رغم المحاولات المكررة لوالدتي في إخفاءه عن أعيننا و أيدينا ,

كُنت أشعر أن ثمة شيء داخل الكتاب يصعب على طفلة بعمري أو بعمر أخوتي استيعابه , أو شيء ما سيصدم خيالنا و تفكيرنا !

مرّت أيام , حتى قررت التسلل إلى تلك الواجهة حيثُ الكتاب , تناولته و أخذت أقلّب الصفحات , و مع كل صفحة كنت أربط ما بين توقعاتي للكتاب قبل أن أصله و ما يحويه فعلاً , اكتشفت في البداية أنه كان فعلاً ألبوماً , و لكن ألبوم يحمل صور موتى , مناظرهم مُرعبة , جُثث مُنتفخة بشكل غريب ملقاة على الأرض و محشورة بين الركام بطريقة تستبعد فيها أن تكون جثث بشرية ,

أدهشني احتفاظ والدتي بصور كهذه في المنزل , إنها مرعبة , لكن ما قلل دهشتي حينها ,ذلك الشيء الفطري الموجود داخل كل روح فلسطينية بعمري , نحن نملك عدواً يكرهنا يُدعى ” اليهود ” , و لا يقوم بقتلنا على هذا النحو من الوحشية غيرهم .. فعلمت بسرعة أن هذه الصور هي حلقة من سلسلة حلقات اعتادت أذني على سماعها من اللحظة الأولى التي شاء القدر فيها أن أكون فلسطينية !

في فلسطين حين يشتم طفل طفلاً آخر ” يلعن أبوك ” , و يقرر بعدها أن يعتذر يقول ” خلص خلص يلعن أبو اليهود ” –

لم تنزعج مني والدتي كما توقعت , أخذت الكتاب فقط و أعادته في نفس المكان , و كأن غرضها من الأساس لم يكن إخفاءه كما اعتقدت , بل أن أجده  بنفسي حين يحين الوقت لذلك , و أن آتي أنا و أطلب منها أن أعرف أكثر ! تماماً  كما فعلتُ لاحقاً , فالكتاب و صوره شغلوا تفكيري كثيراً , كنت بحاجة لأن أعرف أكثر !

و كانت أول مرة أعرف بها تفاصيل المجزرة عبارة عن ” حدوتة قبل النوم ” !

استلقيتُ و اخوتي في حضن والدتي في ليلة مشابهة تماما لليلات كنا نستمع فيها لـ ” قصة الشاطرحسن ”  , و بدأنا باسترسال الأسئلة حول الكتاب و هي تجيبنا , لا تزال المشاهد التي رسمتها بخيالي وقتها عن المجزرة نتيجة لحديث أمي عالقة في ذهني حتى اليوم , مشهد المرأة الحامل التي مُزق بطنها و أُخرِج جنينها , و الرجال الذين قيدوا إلى المدارس بأيديهم المكبلة و عيونهم المغماة و تمت تصفيتهم بالرصاص , و أكثر .. كله ببالي الآن !

نحن لا ننسى , و أجد أن طريقة التربية تنتقل من جيل إلى جيل بحرفية بيننا , و كأننا نربي فلسطين داخلنا , و في كل يوم تكبر أكثر !

في طفولتي , عرفت ما تسمح به طفولتي الفلسطينية و لا تسمح به الطفولة عموماً عن صبرا و شاتيلا , و في كل يوم كنت أعرف ما يسمح به عمري الفلسطيني عن كل جرم نالته فلسطين منهم !

و لأننا لا ننسى ,

أعرفُ أن المجزرة بدأت في 16 أيلول ‏1982 و استمرت ل 3 أيام بغياب عن وسائل الإعلام ، حتى وصل عدد الضحايا ما بين ٣٥٠٠-٥٠٠٠ شخص

و أنها كانت بقرار إسرائيلي و بتنفيذ من القوات اللبنانية ” حزب الكتائب ” , و حتى لا تتوقف المجزرة ليلاً كان الجيش الإسرائيلي ينير المخيم بقنابل ضوئية , و حين ينتهي القتلة من دورهم يمدوهم بجرافات ليطمروا الجثث

و أعرف جيداً أنهم استمروا بقتل من في المخيم لـ 40 ساعة

و أن المجزرة حدثت على الرغم من أن أمريكا تعهدت في ذلك الوقت على حماية بيروت الغربية و اللاجئين الفلسطينيين .

و أعرف أن مجزرة صبرا و شاتيلا واحدة من كثيـــراتْ

أنا أعرف الكثير .. و أبداً  لن أنسىْ !

ملاحظة : الكتاب لا يزال مكانه , لكني حتى هذه اللحظة لم أقرأه , لأني أعلم أن لا كلمات ستبلغ حجم تلك الصور .

Advertisements

4 تعليقات to “فِي الذَّاكِرةْ ,”

  1. Um Ommar Says:

    😦

    كلكم عم تحكو عن صبرا وشاتيلا اليوم
    مع إني ملحقتش انساها
    بس كل ما أقرأ شي,, كإني اول مره بعرفه

    الله يرحمهم ويغفرلهم وينتقملهم يارب

  2. Doaa Mohmed Says:

    لينا ربنا يحفظك و يحفظ فلسطين

  3. وجع البنفسج Says:

    لاني من محبي القراءة منذ نعومة أظافري ، عبثت بكتب زوجة اخي لعلي اجد مايسليني في ليلتي تلك ، ووجدته ، ذاك الكتاب بغلافه الأسود وعنوانه بالاحمر الدامي ، فتحت الكتاب ولم اقرأ ما كتب فيه بل جذبتني صوره ، صدمت وانا الطفلة التي لم تستوعب مشاهد القتل والتنكيل ، وبكيت وبشدة .. من هول مارأيت ، وحرّمت أن اعبث بما ليس لي .
    مازالت تلك الصور تعشش في رأسي وتخرج لتقفز في وجهي كلما حانت ذكراها ..

    ومايصبرني اني اعلم ان قتلانا في الجنة وان قتلاهم في النار .. ربنا يرحمهم ويجعل مثواهم الفردوس الاعلى من الجنة .. هذه هي فلسطين وهذا هو نصيبها من الحياة ، وما صبرا وشاتيلا إلا فصل من فصولنا ..

  4. epthal Says:

    موجعة فعلا ! …. ربنا ينتقم من اليهود ويحصيهم عددا ويقتلهم بددا … يارب ورينا في اليهود والشيعة الكلاب يوم اسود ………….لنوشتي راااااااائعة ………. ❤

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: